حبيب الله الهاشمي الخوئي

332

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

أمره بالكون في الوجود ، وقوله : فيكون إشارة إلى وجوده ، والفاء المقتضية للتعقيب بلا مهلة دليل على اللَّزوم وعدم التأخّر ، هذا . ويحتمل أن يكون المراد بنفي اعتراض الرّيث والأناة نفي اعتراضهما بالنّظر إلى ذاته من حيث فاعليته ، فيكون المقصود بذلك تنزيهه من أن يعرض له شيء من هذه الكيفيّات كما يعزض على أحدنا إذا أردنا فعل شيء من حيث قصور قدرتنا وضعف قوّتنا ( فأقام من الأشياء أودها ) واعوجاجها ، وإقامتها كناية عن اعداده ما ينبغي لها وإفاضته الكمال بالنسبة إليها ( ونهج حدودها ) وغاياتها أراد به ايضاحه لكلّ شيء وجهته وتيسيرها له ( ولائم بقدرته بين متضادّها ) كما جمع بين العناصر الأربعة على تضادّ كيفيّتها في مزاج واحد ( ووصل أسباب قرائنها ) ونفوسها بتعديل أمزجتها لأنّ اعتدال المزاج سبب بقائها . قال الشارح البحراني : ويحتمل أن يكون معنى الوصول لأسبابها هدايتها إلى عبادته وما هو الأولى بها في معاشها ومعادها وسوقها إلى ذلك ، إذ المفهوم من قول القائل : وصل الملك أسباب فلان إذا علَّقه عليه ووصله إلى برّه وانعامه ، هذا إن جعلنا القراين بمعنى الأنفس وإن كانت بمعنى مقارنات الشيء فهو إشارة إلى أنّ الموجودات لا تنفكّ عن أشياء يقترن بها من هيئة أو شكل أو غريزة ونحوها ، واقتران الشيئين لا محالة مستلزم لاقتران أسبابهما ، لاستحالة قيام الموجود بدون أسبابه ، وذلك الاقتران والاتّصال مستند إلى كمال قدرته إذ هو مسبب الأسباب . ( وفرّقها أجناسا مختلفات في الحدود والاقدار والغرايز والهيئات ) أي جعلها أقساما مختلفة النهايات والمقادير متفاوتة الطبايع والصفات ، فجعل بعضها طويلا وبعضها قصيرا وبعضها صغيرا وبعضها كبيرا ، وجعل سجيّة بعضها شجاعا وبعضها جبانا وبعضها شحيحة وبعضها كريمة وهيئة بعضها حسنة وبعضها قبيحة وهكذا ، هذا ان كان الحدود في كلامه عليه السّلام بمعنى النهايات قال الشارح البحرانيّ : وإن حملنا الحدود على ما هو المتعارف كان حسنا ،